Tuesday, December 25, 2007

«الجزيرة».. أكشن «مصري» ناضج يتخلص من تأثير السينما الأمريكية

فى العدد 1289 من جريدة المصرى اليوم كتب رامى عبدالرازق فى تاريخ ٢٤/١٢/٢٠٠٧
كيف يمكن أن تحرض متفرجاً علي مشاهدة فيلم معين لأكثر من مرة إذا لم تكن أنت نفسك ترغب في مشاهدته مرة
أخري؟.. «الجزيرة» فيلم ناضج جداً للدرجة التي يتحول معها إلي نموذج شبه كامل، لما يمكن أن يكون عليه فيلم الأكشن المصري، خلال الفترة الحالية حيث يتخلص تماماً من سيطرة دخان الرصاص الأمريكي وانفجار العربات المقلوبة في طريق المحور أو الدائري من خلال سيناريو محكم لمحمد دياب، ورؤية إخراجية طازجة لشريف عرفة تخرج من حيز الأكشن السينمائي الضيق إلي أكثر من تأويل وطرح إنساني واجتماعي وسياسي.. ليس فقط كونه مستوحي من أحداث حقيقية.. لكنها تلك القدرة الدرامية والبصرية علي الاستلهام الفني وإعادة نسج الحدث من أجل تقديم قراءة تحمل وجهة نظر عميقة تعيد فكرة الرسالة والهدف إلي مضمون الفيلم السينمائي دون أن تبالغ في التشدق بشعارات سطحية أو مناورات حوارية بين الشخصيات تفرغ السياق من سخونته وتدفقه.

الكثيرون ممن تابعوا قصة سقوط إمبراطور المخدرات عزت حنفي منذ سنوات قليلة أجمعوا علي أن قصته تصلح لفيلم سينمائي وربما كانت نظرتهم مقتصرة علي التناول البوليسي للقصة وعمليات الاقتحام والتطهير، ولكن السيناريست محمد دياب يقف هنا علي جذور القصة، ويحللها ويضيف إليها من تفاصيل الواقع الحكومي والسياسي من ناحية والإنساني والنفسي من ناحية أخري..

فقصة منصور الحفني - أحمد السقا - كبير منطقة «الجزيرة» في الصعيد، التي تشتهر بزراعة الأفيون والتجارة في السلاح في ظاهرها تبدو تيمة «عتريسية» (نسبة لشخصية «عتريس» في الفيلم الشهير «شيء من الخوف»)، خاصة مع وجود شخصية كريمة - هند صبري في أول دور صعيدي لها - وانتمائها لعائلة أقل شأناً في البلد وتجذر مشاعر حب دفينة شابتها بعض المبالغات عن العادات الصعيدية في لقاءاتهما علي ضفاف النيل.. وبالطبع يوجد الجد/ الأب محمود ياسين الذي يريد لنسله أن يظل علي عهد القوة التي هي مصدر السلطة والتشريع من وجهة نظره،
ولكن هذه التيمة العتريسية لا تلبث أن تتلاشي داخل التطور الدرامي للشخصية والأحداث، ويصبح منصور الحفني أقرب لأبطال الملاحم الإغريقية الذي يطرد من مملكته وينزل عن عرشه وتقتل زوجته ويضيع منه ابنه، فيصعد إلي الجبل ويتحد مع آلهة الخير والشر (المطاريد والحكومة) ليعود مرة أخري فيسترجع بيته وولده (وريث مملكته) الذي أخفته حبيبته التي لم يتمكن من الزواج منها لانصياعه لأوامر الأب..

فنلمح قضية الاختيار الفلسفية في مواقف أنيقة ومرتبة وغير متكلفة يدعمها السيناريو من خلال سرد مكثف في واحد من أهم مشاهد الفيلم وهو مشهد توريث الأب لابنه حكم الجزيرة، حيث العجز البشري عن فهم طبيعة الرحمة الإلهية وافتراض تجاوزها - عبر المنطق الإنساني - لكل الخطايا المهلكة ومن الفلسفة للسياسة وهي العمق الأكثر قرباً من الوجدان الجمعي للجمهور، حيث التعاون غير القانوني بين الحكومة، ممثلة في العميد رشدي - خالد الصاوي - ومنصور.. هذا التعاون الذي يفرز عملية توحش طبيعية لسلطات منصور ونفوذه في المنطقة، مما يهدد السلطة التي من المفترض أنها شرعية وقانونية، وهنا أيضاً يتسع التأويل،
فالحقيقة التي يطرحها الفيلم معروفة للكثيرين والتعاون بين عناصر من الشرطة وأباطرة الصعيد وكبرائه مطروحة علي صفحات جرائد المعارضة، ولكن ألا يذكرنا هذا الموقف في ظل العولمة بأمريكا وبن لادن حينما تشجع قوي عظمي اتجاهاً فردياً غير شرعي فيتوحش وينقلب أول ما ينقلب عليها.

لقد تعمد شريف عرفة أن يصنع من كادراته لقاءات بصرية مميزة بين الأجيال (الأب والابن في كادر واحد ووجه الابن قريب والأب في الخلفية وبينهما مساحة مموهة تشبه العلاقة التي تجمعهما)، وبين السلطة الأخلاقية التي يمثلها الضابط الشاب محمود عبدالمغني، المكلف بحل قضية منصور والسلطة المكيافيلية التي تبرر الوسيلة، التي يمثلها العميد رشدي بل إن هناك توازياً بصرياً ملحوظاً في العلاقة بين الأب والابن في مشاهد تاجر المخدرات وابنه من ناحية والضابط الشاب ووالده اللواء المتقاعد - عبدالرحمن أبوزهرة - من ناحية أخري وكل منهما يلقن ابنه خلاصة حكمته ومجمل خبراته...

كما تخلص عرفة من الحس الأمريكي، الذي لوّث رؤيته في فيلم «مافيا» واستغراقه واقعياً في بيئة الصعيد وطبيعة عمليات الاقتحام لأوكار المخدرات بل وطبيعة الأسلحة المستخدمة، وحجم قوتها التدميرية المعروفة لنا كل هذا جاء في صالح عنصري الإيهام والإقناع، اللذين لا غني عنهما لأي فيلم ناجح ومميز وإن تدخل في نهاية الفيلم ولم ينفذ النهاية المتوقعة وهي اغتيال منصور الحفني وهو مجرد افتراض دعمته حبكة السيناريست محمد دياب المتقنة، التي لم تكن لتترك تفريغ الشحنة الدرامية لبضع جمل قبل التتر تشرح ما حدث لكل شخصية.. ولكن بما أنني ناقد والناقد غريب فمنطق الفيلم يحتم علي أنه لا أحد من أهل الجزيرة يقول شيئاً للغريب.
ريفيو
سيناريو - محمد دياب
إخراج - شريف عرفة
بطولة - أحمد السقا - محمــود ياسيـن - هند صبري
إنتاج - محمد حسن رمزي
مدة الفيلم - ١٥٠ دقيقة

No comments: